“مولانا”: حين يتحول الوهم إلى دراما… وسوء الإخراج إلى عقيدة مفروضة
في موسم يُفترض أن يكون ذروة الإنتاج الدرامي، لا يكتفي مسلسل “مولانا” بأن يكون عملًا ضعيفًا، بل يقدّم نفسه كنموذج صارخ على اختلال المعايير الفنية، إلى درجة تجعله أقرب إلى تمرين غير مكتمل منه إلى عمل يُعرض على شاشة التلفزيون.
منذ البداية، يواجه العمل أزمة إخراجية واضحة. ففي مشاهد التجمع حول “الولي”، التي يُفترض أن تكون مشحونة بالدلالة والتوتر، تكتفي الكاميرا بلقطات عامة عشوائية، بلا بناء بصري أو تصعيد درامي، وكأننا أمام تغطية مدرسية لمشهد لا يفهم المخرج ثقله الرمزي. الإضاءة مسطحة، والتكوين بلا معنى، ما يفرغ المشهد من أي أثر.
الأمر لا يتحسن على مستوى السرد. في أكثر من موضع، تقفز الشخصيات إلى قرارات مصيرية دون أي تمهيد. في أحد المشاهد المفصلية، تنتقل شخصية من موقف إلى نقيضه بشكل فجائي، بلا صراع داخلي أو تراكم نفسي، وكأن النص يختصر الطريق لأنه ببساطة لا يعرف كيف يبنيه. هذه ليست جرأة درامية، بل اختصار كسول يفضح هشاشة الكتابة.
أما فكرة “الإيمان بالولي”، التي كان يمكن أن تشكل مادة غنية دراميًا، فقد قُدمت في أكثر صورها سطحية. في مشهد يتجمع فيه أهل الضيعة حول ما يُفترض أنه “كرامة”، لا يقدّم العمل أي صوت مشكك، ولا أي زاوية نظر بديلة، بل يكتفي بعرض إيمان جماعي ساذج، أقرب إلى الكاريكاتور منه إلى تحليل ظاهرة اجتماعية معقدة.
والمفارقة الأكثر سخرية أن المسلسل يعيد إنتاج منطقه خارج الشاشة: فكما يُطلب من شخصياته الإيمان دون مساءلة، يُطلب من المشاهد أن يقتنع بالعمل دون أن يُمنح أي سبب حقيقي لذلك. الحوارات التي يُفترض أن تحمل عمقًا تأتي مباشرة وثقيلة، وكأن مجرد التلفظ بالأفكار يمنحها قيمة.
حتى الأداء التمثيلي، رغم وجود أسماء معروفة، يقع ضحية هذا الارتباك. في مشاهد الانفعال، يتأرجح الأداء بين المبالغة والبرودة، في انعكاس واضح لغياب توجيه إخراجي واعٍ.
لكن الذروة الحقيقية لهذا الإخفاق تتجلى في النهاية، التي لا يمكن وصفها إلا بأنها مثال نموذجي على عمل تم بَتره بدل أن يُختَم. فبدل أن يُحكم الكاتب إغلاق الخيوط الدرامية، اختار أن يُنهي العمل بشكل متسرّع ومهمل، بلا تصعيد حقيقي، وبلا حل درامي يُشعر المتلقي بأي اكتمال.
الولي، الذي بُني عليه العمل نظريًا، لا يشهد أي تفكيك حقيقي ولا تطور يُذكر، بل يبقى — حتى عبر المونولوج — متمسكًا بموقفه، وكأن كل ما سبق لم يكن سوى دوران في حلقة مفرغة. أما أهل الضيعة، فيستمرون في نفس البنية الذهنية، دون أي تحول يُذكر، ما يجعل النهاية لدى المشاهد لا نتيجة لها، ولا أثر.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: عمل يدور حول “الإيمان” ينتهي دون أن يغيّر شيئًا لدى المشاهد. فلا صدمة، ولا حتى خيبة مدروسة — فقط نهاية توحي بأن الكاتب أنهك قلمه قبل أن يُنهي فكرته.
في المحصلة، لا يبدو “مولانا” مجرد عمل ضعيف، بل عملًا يفتقر إلى فهم العلاقة الأساسية بين الفن والمتلقي: فالفن لا يُفرض، بل يُبنى. ولا يُطلب فيه الإيمان، بل يُنتزع عبر أدواته.
يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا: كيف يمر عمل بهذا المستوى إلى الشاشة؟ وهل أصبحت الأسماء كافية لتغطية غياب الجودة؟
ما يقدمه المسلسل، دون قصد، ليس دراما، بل مثال حي على ما يحدث عندما يُستبدل الإقناع بالفرض… والبناء بالادعاء.
النهاية لم تُغلق العمل بإتقان… بل أنهته على عجل، والفارق بينهما هو بالضبط الفارق بين دراما تُحترم وعمل يُنسى
“مولانا”: حين يتحول الوهم إلى دراما… وسوء الإخراج إلى عقيدة مفروضة
Inscription à :
Commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire